الهيركات والكابيتال كونترول الى الواجهة
بتاريخ :

الهيركات والكابيتال كونترول الى الواجهة

في ظل التخبط الاقتصادي والاجتماعي الذي يعيشه لبنان، ظهرت مصطلحات جديدة لم نكن نسمع بها من قبل، وهي "الهيركات Haircut" و"الكابيتال كونترول Capital Control". وهي مصطلحات تقنية خاصة بعالم الاقتصاد والمال، تم تداولها مؤخرا في جميع وسائل الاعلام اللبنانية وعلى وسائل التواصل الاجتماعي في البيئة المحلية، كما انها بالطبع ترددت على ألسنة جميع التيارات والاحزاب السياسية في لبنان والاخصائيين. ونظرا لما لها من تأثير مباشر على حياة اللبنانيين ونظرا لانعدام الثقة بين اللبنانيين والدولة، بات على اللبنانيون فهم تفاصيل هذه المصطلحات التقنية حتى يتم تفادي الخسارات قدر الإمكان وتفادي القرارات الالتوائية والمقنعة التي يتم تعميمها وتنفيذها من قبل الجهات الحكومية المختصة. وكأن اللبناني ليس لديه عبء كاف في حياته المعيشية اليومية.

الهيركات، وهي آلية تلجأ اليها الدولة عندما تصل الى حافة الانهيار الاقتصادي، حيث تفقد الدولة القدرة على سداد ديونها المستحقة للدائنين لدرجة التخلف عن السداد في وقت الاستحقاق، وهذا ما حصل في لبنان. تقوم آلية الهيركات على إعادة جدولة الدين، وذلك بعد تبيان وتصريح الدولة المتعثرة عن عدم قدرتها لدفع الدين. وبذلك تعقد الدولة اجتماعات مع الدائنين وهم حاملي سندات الدين من مؤسسات مالية، شركات، دول، الخ... وتعلمهم بأنها سوف تقوم بإعادة جدولة الديون فيما يتناسب مع قدرتها. أحد وسائل جدولة الديون هو الهيركات، أي الخصم أو الاقتطاع القسري على الديون، ويمكن للهيركات أن يأخذ اشكال متعددة، ففي بعض الأحيان تقوم الدولة المتعثرة بخصم نسبة مئوية محددة من الدين مثل 10% او 15%. وفي حين اخر تقوم بدفع جزء مئوي من سند الدين مثل 70% وتقوم بدفع القيمة المتبقية من السند على عدة سنوات. في معظم الأحيان، الانهيار الاقتصادي لا يكون وليد اللحظة، بل هو بسبب تراكم السياسات الخاطئة، الهدر والفساد، السرقة وتهريب الأموال، الاقتصاد الريعي، المحسوبيات، الخ... وهذا ما حل بلبنان، وخصوصا ان اللبنانيون لم يكن لديهم الوعي للاستفادة من حق الانتخاب والمحاسبة، حتى مرت السنين وبتنا في انهيار اقتصادي يحتاج لسنين طويلة للتعافي منه. الانهيار الاقتصادي والهيركات له آثار سلبية على لبنان، فمن هي الجهات التي سوف تقوم بشراء سندات دين لدولة لها تاريخ سيء، وخصوصا أن الجهات الدائنة تسعى إلى الربح من خلال العائد على سندات الدين، وبالتالي فإن لبنان سيعتمد على الهبات، وفي هذا الصدد فإن الدول التي كانت تقوم بمساعدة لبنان باتت مهتمة بوضعها الداخلي من جراء جائحة كورونا.
من المتعارف عليه ان الهيركات تنطبق على حاملي سندات الدين للدولة، ولكن قد تلجأ بعض الدول بتطبيق نفس الالية على أصحاب الودائع البنكية. وذلك عبر قيام البنك المركزي في الدولة الى اقتطاع جزء من الودائع. ففي قبرص مثلا، قامت الدولة باقتطاع حوالي 47.5% من حسابات المودعين (حسب رويترز). أما في لبنان، وبالرغم ان جميع التيارات السياسية لا تحبذ فكرة الهيركات على حسابات المودعين نظرا لما له ضرر على النظام البنكي في لبنان ومما سوف يسببه من عدم ثقة، الا انه تم تطبيق الهيركات بعدة اشكال ونسخات متسلسلة إلتوائية ومقنعة. فإذا كان الهدف اقتطاع أموال المودعين، فليس من الضرورة ان تطبق قوانين مباشرة للوصول الى هذا الهدف. فقد تمكنت الدولة من الوصول الى الهدف بطرق عديدة حتى بات الهيركات مطبق أكثر من مرة، فعلى سبيل المثال لا للحصر:

- تفعيل التعميم والذي يتضمن احتساب الفائدة 50% بالليرة اللبنانية و50% بالدولار مما يحقق مبدأ الهيركات
- اجبار المودعين بسحب أموالهم بالليرة اللبنانية بدلا من الدولار في حين ان سعر الدولار في تزايد مستمر مقابل الليرة اللبنانية هذا أيضا يحقق مبدأ الهيركات
- تفعيل التعميم الذي يقر باستلام الاموال المحولة من الخارج بالليرة اللبنانية هو أيضا يحقق مبدأ الهيركات، وخصوصا ان السعر الذي تقوم عليه معادلة التحويل من العملة الاجنبية الى الليرة اللبنانية هو اقل من السعر السوقي او الفعلي

فإذا كان هدف هذه الاجراءات المذكورة سابقا هو حصر الدولار بيد البنك المركزي بحجة دعم أسعار السلع الأساسية، فهو يقوم بذلك على حساب المواطنين، وهذا هو الهيركات بعينه، لان الخطوات المذكورة أعلاه حققت هدف الهيركات الأساسي وهو الاقتطاع بهدف استعادة السيطرة على مسار الدين العام.

للمحللين والمختصين مصطلحاتهم الخاصة لتعريف الهيركات، فيقول كريستوف سكرودر في ورقة عمل أعدّها للمركز الأوروبي للبحوث الاقتصادية في نهاية 2014، "إن عمليات الـهيركات تعني خفضاً في القيمة الحالية، سواء جرى هذا الأمر عبر شطب الفرق بين القيمة السوقية وقيمة الإصدار، أم عبر إطالة الآجال، أم خفض معدلات الفائدة". أما وفق تعريف البنك المركزي الأوروبي، فإنّ الهيركات هو "الخصم القسري للدين/”قص الشعر” (Haircut – Décote) هو عبارة عن حسم قيمة الأصول المالية مثل سندات الخزينة. ووحدة قياسها دائماً النسبة المئوية".

الكابيتال كونترول، هي استراتيجية تلجأ اليها السلطة المعنية للحد من شح السيولة في البلاد ولحماية المصارف، وذلك عبر فرض قواعد وقيود على السحوبات والتحويلات وبالتالي على رأس مال المودعين. ففي لبنان، وفي ظل الوضع الاقتصادي المنهار والمتردي، سعى اللبنانيون وأصحاب الودائع الى سحب أموالهم من البنوك وتهريب حساباتهم بالعملات الأجنبية الى الخارج نظرا لعدم استقرار الأوضاع في البلاد، مما يؤدي الى انهيار النظام المصرفي الذي هو ركن أساسي من اركان الاقتصاد اللبناني. كما ان سحب الأموال من البنوك يقوم بتجميد العجلة الاقتصادية وتوقيف القروض البنكية التي تسعى الى تمويل المشاريع، ويؤدي أيضا الى خطر اجتماعي نظرا لقيام المواطنين بحفظ الأموال في منازلهم. مما دفع الجهات المعنية الى تطبيق الكابيتل كنترول على عدة مراحل، أهمها:

- فرض قيود على عملية سحب الأموال عبر عدم السماح للمودعين بسحب مبالغ لا تتعدى 500$ شهريا، من ثم 200$ كل أسبوعين، حتى وصل الحال الى منع سحب الأموال بالدولار وحصر السحوبات بالعملة المحلية بسعر الصرف الرسمي والذي هو اقل من سعر السوق
- منع التحويلات من لبنان الى الخارج، وهذا أثر بشكل سلبي على اللبنانيين في الخارج وخصوصا الطلاب منهم نظرا لحاجتهم الى الأموال لدفع اقساطهم الجامعية وتلبية حاجاتهم المعيشية
- استقبال التحويلات من الخارج وصرفها بالليرة اللبنانية بالسعر الرسمي والذي يقل عن سعر السوق، مما حد من تدفق الأموال من الخارج

لا شك ان الكابيتل كونترول يعكس صورة سيئة جدا عن النظام المصرفي في لبنان، ويطيح بعامل الثقة بين المودعين من محليين وأجانب والنظام المصرفي الذي كان يتغنى به لبنان، مع العلم ان عامل الثقة هو شرط أساسي للمودع وعادة ما تأخذ سنوات طويلة لإعادة بناء جسر الثقة.

المصدر - مجموعة شباب صيدا

أحدث الأخبار المتداولة
فيديوهات شباب صيدا
إستطلاع الرأي
هل أنت مع اعتماد البطاقة التموينية؟
نعم
42%
كلا
58%
×